لم أقرأ هذه الأحداث في كتاب، ولم أشاهدها في فيلم وثائقي، بل عشتها بنفسي، وشاهدت تفاصيلها منذ بدايتها حتى نهايتها. وفي هذا المقال أسرد ما أتذكره كما عشته في ذلك الوقت.
بداية القصة
كنت أعيش في مكة المكرمة، وكان بيتنا قريبًا من المسجد الحرام. وكانت مكة في ذلك الوقت مدينة هادئة عامرة بالحجاج والزوار، وكانت علاقتنا بالحرم جزءًا من حياتنا اليومية؛ نسمع الأذان، ونرى حركة المصلين، ونشعر بقدسية المكان في كل لحظة.
وفي فجر اليوم الأول من شهر محرم عام 1400هـ، استيقظت مكة على حدث لم يكن أحد يتوقعه. كان ذلك اليوم بداية سنة هجرية جديدة، وكان من المفترض أن يكون يومًا عاديًا، لكنه أصبح يومًا محفورًا في ذاكرة أهل مكة والتاريخ.
بدأت الأخبار تنتشر عن وجود مسلحين داخل المسجد الحرام، وعن حادثة خطيرة وقعت في أطهر بقاع الأرض. كان الشعور الذي سيطر على الناس هو الصدمة والخوف، فالمسجد الحرام ليس مكانًا عاديًا، بل هو قلب مكة ومقصد المسلمين من أنحاء العالم.
الأخبار تصل إلى أهل مكة
وبحكم قرب بيتنا من الحرم، عشنا تلك الأيام بكل تفاصيلها. كانت أصوات الأحداث تصل إلينا، وكانت الحركة في الشوارع مختلفة عن المعتاد. رأينا القلق على وجوه الناس، وسمعنا الأحاديث المتداولة بين الجيران والأهالي، وكل شخص كان يتساءل: ماذا يحدث؟ ومتى تنتهي هذه الأزمة؟
«ماذا يحدث؟ ومتى تنتهي هذه الأزمة؟»
كيف دخلت الأسلحة إلى المسجد الحرام؟
قبل صلاة الفجر، نجح جهيمان ومن معه في إدخال الأسلحة إلى المسجد الحرام عن طريق وضعها في توابيت بعض المتوفين الذين دخلت توابيتهم إلى المسجد للصلاة عليهم. دخلت التوابيت باعتبارها تحتوي على جثث المتوفين، لكن بدلًا من ذلك كانت التوابيت تحتوي على الأسلحة والذخائر والمتفجرات.
إعلان ظهور المهدي المزعوم
عد صلاة الفجر في أول يوم من السنة الهجرية 1400هـ، قام جهيمان وصهره أمام المصلين في المسجد الحرام، وأعلنا عن ظهور المهدي المنتظر وفراره من أعداء الله واعتصامه في المسجد الحرام. وقدّم جهيمان صهره محمد بن عبد الله القحطاني باعتباره المهدي المنتظر، ثم قام جهيمان وأتباعه بمبايعته، وطُلب من جموع المصلين مبايعته، وأُغلقت أبواب المسجد الحرام، ثم أُخلي سبيل النساء والأطفال.
بداية المواجهة داخل الحرم
استمرت أصوات إطلاق النار، وكان جهيمان يحث الموجودين، بمن فيهم حراس الحرم، على الانضمام إلى جماعته ومبايعة محمد بن عبد الله القحطاني باعتباره المهدي المنتظر.
واعتقد جهيمان أنه يستطيع أن يبدأ ثورة مهدوية ويحكم من بعدها السعودية. ثم انقطع التسجيل، وتوقفت الخطبة، وقام أتباع جهيمان بالانتشار في مواقع مختلفة داخل الحرم، ومن بينهم قناصة تمركزوا في مواقع مرتفعة.
ثم قام أتباع جهيمان، الذين كان يقدّر عددهم بحوالي 600 مقاتل من أجناس مختلفة، بالانتشار داخل الحرم، وكان من بينهم قناصة تمركزوا في مواقع مرتفعة، وأخذوا يطلقون النار على قوات الأمن. وفي الوقت نفسه وجد المصلون أنفسهم محاصرين داخل المسجد الحرام، ووقعت أعمال قتل بين المدنيين وحراس الحرم.
أيام الحصار
بدأ جهيمان يعطي أوامره لأتباعه بإطلاق النار على قوات الأمن الداخلي، ومر اليوم الأول والثاني وقوات الأمن الداخلي تحاصر الحرم. وقد قطعوا الكهرباء والماء عن الحرم لشل تحركاتهم، واستمر الوضع عدة أيام.
الفتوى وبدء تدخل القوات السعودية
وحصلت السلطات المختصة في المملكة العربية السعودية على فتوى من 32 عالمًا من علماء الدين تبيح لها التدخل لإنقاذ المصلين المسجونين كرهائن داخل المسجد الحرام، وتحرير الحرم ممن استولوا عليه. وتم طلب الإمدادات من قوات الحرس الوطني السعودي، التي تدخلت بالمدرعات، كما شاركت قوات المشاة وقوات الطوارئ والقوات الخاصة وقوات الكوماندوز السعودية.
استمرار الحصار والمواجهات
واستمر الحصار مدة أسبوع أو أكثر تقريبًا، وكانت القوات تطلق النار على أتباع جهيمان المتمركزين في المآذن وعلى الأسطح من خارج الحرم، ومن قلعة قديمة كانت فوق جبل أمام الحرم من الجهة الجنوبية.
بداية الاقتحام والحسم
وبعد انقضاء أسبوعين على الحصار، بدأت القوات في تنفيذ الاقتحام والاشتباك مع جهيمان وأتباعه. وكان إطلاق النار بجميع أنواع الأسلحة، من رشاشات ومدافع، كما شاركت المدرعات والأسلحة الثقيلة وقنابل الغاز، وحدث تبادل لإطلاق النار والغازات بأنواعها، حتى إن الغازات كانت تصل إلينا ونحن خارج الحرم.
الاقتحام الأخير ونهاية الحصار
دخول القوات إلى الحرم والاشتباك
اتجهت القوات ودخلت من الأبواب الموجودة في الجهة الشرقية للحرم والجهة الشمالية، ودخلوا داخل الحرم بهجوم كاسح استغرق ساعات من تبادل إطلاق النار والضرب. وقُتل أول 28 شخصًا، وسقط على إثرها الكثير منهم، ومن بينهم محمد القحطاني.
فلما رأى جهيمان وأتباعه أنه لا مفر من القوات السعودية التي دخلت عليهم، فرت مجموعة منهم واحتموا ببئر زمزم، أما جهيمان ففر هو ومن معه إلى قبو الحرم، وهو قبو أرضي تحت أرض الحرم، واحتموا فيه. وكان من الصعب على القوات الدخول إلى القبو؛ لأن جهيمان ومن معه كانوا عند أبواب القبو يقتلون كل من أراد الدخول.
بعد ذلك اهتدت القوات إلى إحداث فجوات فوق القبو وإطلاق الغازات بأنواعها عليهم، واستمر إطلاق الغازات عدة أيام، وبعدها اقتحمت القوات السعودية القبو بهجوم كاسح، وقبضوا على الأحياء منهم، وكان منهم جهيمان، الذي كان يجلس فوق كومة أسلحة بكل هدوء وحاول المقاومة لكنه فشل، وتم القبض على 61 منهم ومعهم جهيمان.
أبرز قادة الجماعة
جهيمان العتيبي — زعيم الجماعة.
محمد بن عبد الله القحطاني — المدعي بأنه المهدي المنتظر.
أحمد حسن المعلم — شاعر الجماعة.
فيصل اليامي — ملقي الخطب للجماعة في الحرم.
علي المزروعي — شيخ الجماعة.
الحكم وتنفيذ الإعدام
صدر الحكم عليهم بالإعدام، ونُفذ في الناجين حكم الإعدام يوم الأربعاء 21 صفر عام 1400هـ، الموافق 9 يناير/كانون الثاني 1980، بعد أن قُسّموا إلى أربع مجموعات، أُعدم أفرادها في ساحات أربع مدن رئيسية في البلاد.
التعليقات