قصتي مع الانفجار الذي هز المنطقة الشرقية
هناك أيام في حياة الإنسان تمرُّ مرور السحاب، وهناك لحظات تتجمد في الذاكرة لتظل حية بأدق تفاصيلها مهما تطاولت السنوات. بالنسبة لي،
يُعد يوم الخامس والعشرين من يونيو لعام 1996 واحدًا من تلك الأيام التي شُمت في مخيلتي بمداد لا يمحوه الزمن.
كانت الأجواء الاعتيادية في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية تجسد الهدوء والأمان السائدين، قبل أن تتبدل الأحوال في ثوانٍ معدودة إلى حدث تاريخي ومؤلم هز أركان المنطقة بأسرها.
بداية هادئة في حي الثقبة
كان الوقت يشير إلى قرابة الساعة الرابعة عصرًا في ذلك اليوم الصيفي. اتخذت خطاي نحو زيارة أحد أصدقائي المقربين، والذي كان يقطن في حي الثقبة الشهير.
يُعتبر هذا الحي من الأحياء الحيوية في المنطقة الشرقية، ويبعد عن مدينة الخبر مسافة لا تتجاوز سبعة كيلومترات تقريبًا.
وصلت إلى منزل صديقي، واستقبلني بترحابه المعهود وكرم الضيافة الأصيل. جلسنا معًا في مجلسه الدافي نتجاذب أطراف الحديث حول أمور الحياة اليومية، وسط أجواء مفعمة بالهدوء والسكينة.
لم يكن يخطر ببال أي منا في تلك اللحظات أن هناك حدثًا مروعًا يفصلنا عنه مجرد دقائق معدودة، وأن هذا الهدوء التام ليس سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة.
لحظة وقوع الانفجار والذعر المفاجئ
وفجأة وبدون أي مقدمات، شُق صمت العصر بصوت انفجار هائل ومدوٍّ بدرجة لا يمكن لوصفها أن يفيها حقها.
كان الصوت شديدًا وعنيفًا للغاية بحكم قرب موقعنا المباشر من مركز الانفجار. في تلك الثواني المروعة، شعرنا وكأن الأرض بصلابتها قد اهتزت واهتز معها المبنى بالكامل من تحت أقدامنا.
لم يقتصر الأمر على الصوت والاهتزاز، بل تساقطت الأغراض والتحف الموجودة في الغرفة بشكل متسارع، وسقطت اللوحات المعلقة على الجدران لتتحطم على الأرض.
وفي غضون لحظات خاطفة، انقلبت صينية الشاي وتكبكبت الفناجين وانسكب محتواها على السجاد. تخيم حالة من الرعب والذهول التام علينا.
بدأنا ننظر إلى بعضنا البعض بأعين زاغ فيها البصر، وأخذنا نتساءل بذهول: ما هذا الذي يحدث؟ وما مصادر هذا الهول؟
البحث عن الحقيقة بين صفارات الإنذار
في بداية الأمر، لم نكن ندرك على الإطلاق حقيقة ما جرى. دارت في أذهاننا احتمالات بدائية تتناسب مع هول الصدمة.
اعتقدنا أن هناك آلية ثقيلة كبلدوزر أو شاحنة ضخمة قد اصطدمت بأساسات المبنى الذي نوجد فيه نتيجة خطأ ما.
خرجنا بسرعة لاستكشاف الأمر والبحث عن مصدر ذلك الصوت المظلم، لكن الأجواء في المحيط القريب لم تظهر لنا شيئًا واضحًا في أول الدقائق.
سرعان ما بدأ الصمت يتقطع مجددًا، وهذه المرة بأصوات عويل صفارات سيارات الإسعاف وقوات الدفاع المدني والشرطة وهي تتسارع بكثافة غير معتادة من حولنا.
كان المشهد العام يشي بأن هناك أمرًا جللاً وحادثًا ضخمًا قد وقع بالقرب منا. وبدفع من الفضول والواجب، قررنا اتباع مسار سيارات الطوارئ لنصل إلى المصدر الحقيقي لذلك الانفجار المرعب.
الوصول إلى أبراج الخبر والحجم المروع للدمار
قادتنا سيارات الإسعاف مباشرة إلى مجمع "أبراج الخبر". كان هذا المجمع السكني يضم في ذلك الوقت جنودًا وقوات أمريكية تواجدوا في المنطقة عقب فترة تحرير دولة الكويت.
وهناك، وقفت ذهولاً أمام مشهد قاسي لم أكن أتخيل في أسوأ كوابيسي أنني سأراه رأي العين يومًا ما.
كانت واجهات الأبراج الخرسانية العالية قد انقشعت وتهدمت تمامًا، وتحولت أجزاء واسعة منها إلى ركام. تناثرت الشظايا في كل مكان، وكان قتلى ومصابون يتساقطون أرضًا وسط صراخ واستغاثات ترج المكان.
الحفرة العملاقة: شاهد على شدة المتفجرات
من بين جميع المشاهد المؤلمة التي انطبعت في ذاكرتي، ظل هناك مشهد واحد بارزًا بكافة أبعاده المروعة، وهو ذلك الأثر العملاق الذي خلفه الانفجار في الأرض بجانب الأبراج مباشرة.
شاهدت بنفسي حفرة عميقة وكبيرة للغاية تشكلت في موقع التفجير. وطبقًا للتقديرات، فقد قُدر عرض هذه الحفرة بنحو 26 مترًا، بينما بلغ عمقها في طبقات الأرض قرابة 11 مترًا.
وبحسب التقرير الرسمي الصادر عن مواصفات حادثة أبراج الخبر، فقد استُخدمت شاحنة محملة بكميات ضخمة من المتفجرات البلاستيكية شديدة الانفجار.
كانت قوة هذه المتفجرات كفيلة بإحداث دمار شامل في المحيط، لدرجة أن الصوت الهائل للحادث قد سُمع وشُعر به على مسافات بعيدة تجاوزت حدود مدينة الخبر.
حصاد أليم وآثار نفسية عميقة
لم يقف المدى القاسي للانفجار عند حدود الدمار المادي للمباني والمنشآت فحسب، بل تمثل الألم الأكبر في الخسائر البشرية الفادحة.
سقط ضحية الحادث العديد من العسكريين والمدنيين الأبرياء من جنسيات متعددة تصادف وجودهم أو عملهم بالقرب من الموقع.
كان المشهد الإنساني مؤلمًا بحق، وصعبًا على نفس كل من حضره. أما بالنسبة للسكان المقيمين في الأحياء القريبة، فقد تركت تلك اللحظات أثرًا نفسيًا جليًا وجراحًا عميقة في نفوسهم.
- ارواح حصدت
- مباني هدمت
- املاك فقدت
- حيوانات قتلت
شهادة عيان وليست مجرد قراءة في الصحف
إن تجربة خوض مثل هذه الأحداث الاستثنائية تختلف كليًا عن مشاهدتها عبر الشاشات أو قراءتها على صفحات الجرائد.
بالنسبة لي، لم تكن هذه الفاجعة مجرد خبر عابر قرأته في صحيفة، بل كانت تجربة واقعية وحية عشت كل ثانية من ثوانيها بنفسي، وكنت قريبًا جدًا من مركز الحدث.
صوت الانفجار العالي، واهتزاز الأرض القوي، وسقوط الأشياء وتناثر الفناجين، ورؤية مشاهد الدمار وأصوات الإسعاف؛ كلها مشاهد حفرت عميقًا في وجداني وظلت حاضرة حتى يومنا هذا.
تفجير أبراج الخبر.. ذكرى تاريخية وشخصية خالدة
على الصعيد العام، شكّل تفجير أبراج الخبر واحدًا من أكثر الأحداث الأمنية إيلامًا وشراسة في المنطقة الشرقية خلال فترة التسعينيات من القرن الماضي.
كان لهذا الحادث أثر بالغ ومفصلي في إعادة صياغة وتطوير الإجراءات الأمنية الشاملة المتعلقة بحماية المنشآت والمجمعات الحيوية والعسكرية.
ولكن بالنسبة لي على الصعيد الشخصي، سيبقى هذا الحدث قبل أي شيء ذكرى إنسانية خاصة وشاهدًا مباشرًا على يوم عشت فيه لحظة التفجير بكل مجرياتها.
ففي ذلك اليوم الصيفي الهادئ، كنت أجلس بصحبة صديقي في بيته الآمن، نتبادل أطراف الحديث ونرتشف الشاي دافيًا.
وقبل أن ننتهي، تحول كل ذلك الهدوء والسكينة في لحظة واحدة إلى ارتجاج ورعب وسلسلة من صفارات الإسعاف، لننتهي بالوقوف أمام أطلال دمار يرفض أن يغادر الذاكرة.
كانت مجرد دقائق معدودة في عمر الزمن، لكنها امتدت لتصبح ذكرى راسخة في مخيلتي على مدار سنوات طويلة، ولن أستطيع نسيان هول ذلك الانفجار ما حييت.
تم إعداد هذا المقال بناءً على شهادة حية لواقعة تفجير أبراج الخبر 1996

التعليقات