الإنترنت المظلم: العالم الذي ظن أنه لا يُرى

اخر تحديث:
كتب بواسطة:
alghamddi مدونة ثقافية ومقالات ومواضيع متنوعة ناشر موثوق

محتويات المقال

 

الإنترنت المظلم: العالم الذي ظن أنه لا يُرى

يُعتبر «تور» من أشهر الشبكات المستخدمة للوصول إلى الويب المظلم، وهي شبكة تهدف إلى توفير قدر من إخفاء الهوية، ولا يمكن الوصول إلى بعض خدماتها إلا من خلال متصفح خاص.


وقد تم تطوير هذه الشبكة في الأصل من قبل مختبر أبحاث البحرية الأميركية، وكان هدفها الرئيسي حماية الاتصالات الحكومية.

واسم «تور» هو اختصار لعبارة «موجّه البصل».

لذلك، أصبح الويب المظلم معروفًا على نطاق واسع بارتباطه بالأنشطة غير القانونية، حيث تحاول بعض الخدمات إخفاء هوية المستخدم وموقعه، كما تسعى إلى جعل تتبع نشاطه أكثر صعوبة.

وقد استغل بعض المجرمين هذه الخصائص في بيع المخدرات والأسلحة والوثائق المزورة، وتنفيذ أنشطة إجرامية أخرى، مع استخدام العملات الرقمية المشفرة في بعض المعاملات.

لكن إخفاء الهوية لا يعني أن المستخدم أصبح خارج نطاق القانون أو أن الوصول إليه مستحيل.

 كيف يمكن الوصول إلى الويب المظلم؟


توجد خدمات مخفية على شبكة «تور» لا يمكن الوصول إليها بالطريقة المعتادة من خلال المتصفحات التقليدية.

وتوضح وثائق مشروع «تور» أن عناوين الخدمات التي تنتهي بنطاق «بصلة» مصممة بطريقة تخفي عنوان بروتوكول الإنترنت الخاص بالخدمة وموقعها.

ويجب التعامل مع هذا النوع من المواقع بحذر شديد؛ لأن المستخدم قد يتعرض لمحاولات احتيال أو برمجيات ضارة أو سرقة بيانات.

كما أن وجود موقع على شبكة مخفية لا يعني أنه آمن أو موثوق.

وهنا بدأت قصة أسواق الإنترنت المظلم.

 طريق الحرير: السوق الذي غيّر صورة الإنترنت المظلم

الإنترنت المظلم: العالم الذي ظن أنه لا يُرى


في عام 2011 ظهر «طريق الحرير».

كان يبدو في بعض جوانبه مثل متجر إلكتروني عادي: بائعون، ومشترون، وتقييمات، وأسعار.

لكن السلع التي جعلته مشهورًا كانت في الغالب غير قانونية.

أصبح هناك سوق حقيقي، ومستخدمون حقيقيون، وأموال حقيقية، وتحقيقات حقيقية.

عمل «طريق الحرير» عبر شبكة «تور»، واستُخدمت العملات الرقمية في معاملاته.

وبحسب وزارة العدل الأمريكية، أصبح الموقع سوقًا إجراميًا واسعًا.

ثم جاءت الضربة.

أُغلق «طريق الحرير» في عام 2013.

لكن هل انتهت القصة؟

لا.

كانت قد بدأت للتو.

 بعد طريق الحرير: السوق يعود من جديد


الإنترنت المظلم: العالم الذي ظن أنه لا يُرى


عندما يسقط سوق كبير، يبحث البائعون والمشترون عن بديل.

وهكذا ظهرت أسواق أخرى، إلى أن ظهر اسم أكبر بكثير:

ألفاباي. 

هذه المرة لم يكن السوق صغيرًا.

كان ضخمًا إلى درجة جعلت «طريق الحرير» يبدو، بالمقارنة معه، مجرد بداية.

 ألفاباي: عندما أصبح العالم المظلم تجارة ضخمة


ظهر «ألفاباي» في عام 2014، ونما بسرعة كبيرة.

وعند سقوطه في عام 2017، قالت السلطات الأمريكية إن السوق كان يضم مئات الآلاف من المستخدمين وعشرات الآلاف من البائعين، مع مئات الآلاف من القوائم المتعلقة بسلع وخدمات غير قانونية.

كانت القائمة تضم المخدرات، والوثائق المزورة، والسلع المقلدة، والبرمجيات الخبيثة، وأدوات الاختراق، وغيرها من الأنشطة الإجرامية.

لكن المفارقة كانت واضحة:

كلما ازداد السوق نجاحًا، ازداد حجم الهدف فوق رؤوس أصحابه. 

وفي يوليو 2017، أُغلق «ألفاباي» في عملية دولية واسعة.

وقُبض على مديره، ألكسندر كازيس، في تايلاند.

لكن المفاجأة الأكبر لم تكن «ألفاباي» نفسه.

كانت في السوق الآخر الذي كان ينتظر في الظلام.

 هانسا: الفخ الذي لم يره كثيرون


كان «سوق هانسا» واحدًا من الأسواق البارزة في تلك الفترة.

وعندما اختفى «ألفاباي»، بدأ مستخدموه يبحثون عن مكان آخر.

فتوجه كثير منهم إلى «هانسا».

وكانوا يعتقدون أنهم وجدوا ملاذًا جديدًا.

لكنهم لم يعرفوا الحقيقة.

كانت الشرطة الهولندية قد سيطرت سرًا على تشغيل «هانسا» لفترة من الزمن.

وبحسب وثائق وزارة العدل الأمريكية، استمر هذا الاستحواذ لمدة ثلاثة أسابيع، وتم خلاله جمع معلومات عن المشرفين والبائعين والمستخدمين.

وهنا أصبحت القصة أكثر إثارة.

الأشخاص الذين هربوا من سوق سقط للتو، دخل بعضهم إلى سوق آخر لم يكونوا يعلمون أن السلطات أصبحت تديره.  

لقد ظنوا أنهم وجدوا مكانًا أكثر أمانًا.

لكنهم كانوا في الواقع يدخلون إلى فخ.

 أسواق الإنترنت المظلم: لماذا كانت تبدو مثل المتاجر العادية؟


قد يبدو الأمر غريبًا.

كيف يمكن لسوق غير قانوني أن يعمل بطريقة تشبه متجرًا إلكترونيًا؟

السبب أن هذه الأسواق استعارت كثيرًا من أفكار التجارة الإلكترونية:

  • • بائع.

  • • مشتري.

  • • تقييمات.

  • • حسابات.

  • • طلبات.

  • • وسائل دفع رقمية.

بل إن بعض الأسواق كانت تعتمد على سمعة البائع وتقييمات المشترين.

وهنا تظهر واحدة من أغرب مفارقات العالم المظلم:

حتى الجريمة حاولت أن تبني لنفسها نظامًا من الثقة.  

لكن تلك الثقة كانت وهمًا في النهاية.

فالسوق يمكن أن يختفي في أي لحظة.

والبائع قد يكون محتالًا.

والعميل قد يكون مراقبًا.

والمنصة نفسها قد تكون تحت التحقيق.

 وماذا عن الغرف الحمراء؟

الإنترنت المظلم: العالم الذي ظن أنه لا يُرى


هنا يجب أن نتوقف.

لأن الإنترنت مليء بقصص مخيفة عن «الغرف الحمراء»، وهي غرف يُقال إنها تُبث عبر الإنترنت لمشاهدة أعمال عنيفة أو تعذيب أشخاص مقابل المال.

القصة مرعبة.

لكن  الرعب لا يعني أن القصة حقيقية  .

هناك فرق بين وجود شائعات وحكايات منتشرة على الإنترنت، وبين وجود دليل موثوق يثبت وجود هذه الخدمة بالصورة التي تُروى عنها.

ولهذا لا يصح أن نكتب أن «الغرف الحمراء» حقيقة مؤكدة لمجرد أن عشرات المواقع تتحدث عنها.

في هذا الموضوع تحديدًا،   الصدق أهم من الإثارة.  

 هل الإنترنت المظلم يعني الجريمة؟


ليس بهذه البساطة.

هذه واحدة من أكثر الأفكار انتشارًا وخطأً في الوقت نفسه.

لشبكة «تور» استخدامات مشروعة تتعلق بالخصوصية وتجاوز الرقابة والتواصل الآمن، كما يمكن استخدام الخدمات المخفية لنشر مواقع أو مشاركة ملفات أو مساعدة الصحفيين في التواصل مع مصادرهم.

لكن في المقابل، استُخدمت البنية نفسها لإخفاء أسواق إجرامية ضخمة.

إذن التكنولوجيا ليست هي القصة كاملة.

الإنسان هو القصة.  

 الدرس الذي تركته طريق الحرير وألفاباي وهانسا


كان أصحاب تلك الأسواق يعتقدون أن إخفاء الخوادم والهويات سيجعل الوصول إليهم شبه مستحيل.

لكن الأحداث أثبتت شيئًا مختلفًا.

سقط «طريق الحرير».

وسقط «ألفاباي».

وتحولت «هانسا» إلى فخ.

والأسواق التي جاءت بعدها لم تستطع أن تجعل الجريمة غير قابلة للتعقب.

فالاختباء خلف التكنولوجيا لا يعني الاختفاء من العالم.

وفي النهاية، قد يكون الخطأ الصغير، أو أثر رقمي، أو تحقيق طويل، أو تعاون بين عدة دول، هو الخيط الذي يبدأ منه سقوط شبكة كاملة.

 النهاية: الإنترنت لا ينسى بسهولة

الإنترنت المظلم: العالم الذي ظن أنه لا يُرى





ربما كانت أكبر أسطورة في العالم المظلم هي أن هناك مكانًا لا يمكن الوصول إليه.

لكن التاريخ يقول شيئًا آخر.

ظن طريق الحرير أنه محمي.  

ثم جاء «ألفاباي» أكبر منه.

ثم جاءت «هانسا».

وفي كل مرة كانت القصة تتكرر:

يظهر سوق.

ينمو.

يكتسب الثقة.

يعتقد مستخدموه أنهم أصبحوا بعيدين عن العالم.

ثم يبدأ التحقيق.

ثم يسقط السوق.

ثم يبحث الجميع عن مكان جديد.

وهكذا تتكرر الدورة.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:

هل يوجد مكان على الإنترنت لا تراه؟  

بل:

هل يوجد فعل تظن أنك تستطيع إخفاءه إلى الأبد؟  

والتاريخ حتى الآن يقول:

ليس بالضرورة. 


شارك المقال:
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.

التعليقات