يوم دخل السيل الحرم في مكة المكرمة

اخر تحديث:
كتب بواسطة:
alghamddi مدونة ثقافية ومقالات ومواضيع متنوعة ناشر موثوق

محتويات المقال

 

يوم دخل السيل الحرم  في مكة المكرمة

ذكرياتي عن السيل العظيم في المسجد الحرام 

هناك ذكريات لا تستطيع السنوات أن تمحوها من الذاكرة، مهما طال الزمن وتغيرت ملامح الحياة. ومن بين الذكريات التي لا تزال حاضرة في نفسي، ذكرى السيل العظيم الذي شهدته مكة المكرمة عام 1392هـ.


في تلك الأيام، هطلت الأمطار بغزارة، واجتاحت السيول أجزاء واسعة من المدينة، حتى وصلت مياهها إلى المسجد الحرام. كانت حادثة استثنائية عشت تفاصيلها بنفسي، وبقيت مشاهدها محفورة في ذاكرتي حتى اليوم.


كنت أعيش في مكة المكرمة آنذاك، وكنت في الصف السادس الابتدائي، وكان عمري نحو خمسة عشر عامًا. ولم أكن أعلم أن تلك الأيام ستصبح واحدة من أبرز الذكريات التي سأحملها معي طوال حياتي.

 السيل العظيم يدخل المسجد الحرام

بدأت الأحداث في مساء يوم الثلاثاء 14 رمضان، عندما هطلت أمطار غزيرة استمرت قرابة يومين، صاحبها برق ورعد وأمطار متواصلة.

ومع استمرار هطول المطر، ازدادت المياه وتحولت إلى سيل عظيم اجتاح أجزاء من مكة المكرمة، وترك آثاره في عدد من الأحياء والبيوت.

ومكة المكرمة تقع في وادٍ تحيط به الجبال، ولذلك كانت مياه السيول تنحدر من المرتفعات وتتجه نحو المدينة. ومع شدة السيل وكثرة المياه، دخلت السيول إلى كثير من البيوت، ووصلت إلى المسجد الحرام.

كان المشهد مخيفًا بالنسبة لنا، فقد ارتفعت مياه السيل داخل المسجد الحرام، وغطت بئر زمزم بالكامل.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل وصل منسوب المياه إلى نحو نصف باب الكعبة المشرفة. كان منظرًا استثنائيًا يصعب على من شاهده أن ينساه بسهولة.

شعر سكان مكة والمسلمون بالخوف والقلق على الكعبة المشرفة، وكنا نخشى أن تؤدي قوة المياه إلى إلحاق الضرر ببيت الله الحرام.

ولكن الله سبحانه وتعالى لطف بنا وبالكعبة المشرفة وببيته الحرام، ومرت تلك المحنة بسلام. وبقيت تلك المشاهد من أبرز ما علق في ذاكرتي عن سيل مكة في ذلك العام.

 أهالي مكة يشاركون في تنظيف المسجد الحرام

بعد السيل، بدأت الجهود لإزالة المياه وتنظيف المسجد الحرام من آثار الحادثة ومخلفاتها. وقد سخرت الدولة إمكانياتها من أجل معالجة آثار السيل وإعادة المكان إلى حاله.

ولم يقتصر العمل على الجهات المسؤولة وحدها، بل شارك سكان مكة المكرمة أيضًا في أعمال التنظيف. وكان لأهالي مكة دور في مساندة الجهود المبذولة بعد تلك الحادثة.

وكان لي شرف أن أكون واحدًا من الذين شاركوا في تنظيف بيت الله الحرام. وما زلت أعتز بهذه المشاركة، لأنها ارتبطت بذكرى مهمة في حياتي.

وأذكر أن الطلاب أُعطوا إجازة من الدراسة لمن أراد المشاركة في تنظيف المسجد الحرام. وعندما أتيحت لنا الفرصة، ذهبت مع من ذهبوا للمشاركة في هذا العمل.

كنت في الخامسة عشرة من عمري، ومع ذلك شعرت بعظمة المسؤولية التي أمامي. فقد كنا نعمل بجد واجتهاد من أجل تنظيف بيت الله الحرام وإزالة آثار السيل.

كانت المشاركة بالنسبة لي تجربة مختلفة عن الأيام الدراسية المعتادة. فقد وجدت نفسي أمام عمل له قيمة كبيرة، وشعرت بالفخر لأنني أساهم، ولو بجهد بسيط، في خدمة المسجد الحرام.

يوم دخل السيل الحرم  في مكة المكرمة


 أسبوعان من العمل والجهد

استمرت أعمال التنظيف نحو أسبوعين، بذل خلالها المشاركون جهودًا كبيرة لإزالة ما خلفه السيل العظيم من مياه ومخلفات.

كان العمل شاقًا، لكنه حمل في داخله شعورًا عظيمًا بالفخر. فقد كنا نشارك في تنظيف بيت الله الحرام بعد أن اجتاحته المياه، ونعمل مع الآخرين من أجل تجاوز آثار تلك الحادثة.

ومن خلال هذه التجربة، أدركت أهمية التعاون عندما يواجه المجتمع ظروفًا صعبة. فكل شخص يستطيع أن يقدم ما يقدر عليه، ومجموع الجهود الصغيرة يمكن أن يسهم في إنجاز عمل كبير.

وبحمد الله، أُزيلت مخلفات السيل، وعاد المسجد الحرام إلى حاله، وانتهت تلك الأيام العصيب.

لكن انتهاء أعمال التنظيف لم يكن نهاية القصة بالنسبة لي؛ فقد بقيت تفاصيل تلك الأيام حاضرة في ذاكرتي، من مشاهد السيل إلى الجهود التي بذلها المشاركون في تنظيف المسجد الحرام.

 ذكرى لا أنساها ما حييت

مرت السنوات، وكبرت، وتغيرت أشياء كثيرة في الحياة، لكن ذكرى ذلك السيل بقيت محفورة في ذاكرتي.

لا أنسى منظر الأمطار الغزيرة، ولا صوت الرعد والبرق، ولا قوة السيل الذي اجتاح أجزاء من مكة المكرمة ووصل إلى المسجد الحرام.

كما لا أنسى مشهد المياه وهي تغطي بئر زمزم بالكامل وترتفع إلى نحو نصف باب الكعبة المشرفة. لقد كانت لحظات استثنائية عشتها في سن مبكرة، وتركت أثرًا عميقًا في نفسي.

والأهم من ذلك أنني لا أنسى أنني كنت واحدًا من أبناء مكة الذين شاركوا في تنظيف بيت الله الحرام بعد ذلك السيل العظيم.

لقد كانت تجربة عشتها وأنا في الخامسة عشرة من عمري، لكنها بقيت جزءًا من تاريخ حياتي وذاكرتي الشخصية. وكلما استعدت تلك الأيام، تذكرت ما شهدته مكة من أمطار وسيول، وتذكرت أيضًا الجهود التي بذلها الأهالي في تنظيف المسجد الحرام.

 أبرز ما تعلمته من تجربة السيل

لم تكن تلك الحادثة مجرد ذكرى عن أمطار غزيرة وسيول اجتاحت مكة المكرمة، بل بقيت تجربة تحمل معاني مهمة أستعيدها كلما تذكرت تلك الأيام.

ومن أبرز ما تعلمته منها:

  • - التعاون وقت الأزمات:  تتضح أهمية تعاون أفراد المجتمع عندما يواجهون ظروفًا صعبة.
  • - خدمة المسجد الحرام:  المشاركة في تنظيف بيت الله الحرام شرف أعتز به.
  • - المسؤولية المشتركة:  يستطيع كل فرد أن يساهم بما يقدر عليه، مهما كان عمره.
  • - قيمة العمل الجماعي: تضافر الجهود يساعد على تجاوز آثار المحن.
  • - قوة الذكريات:  بعض الأحداث تبقى حاضرة في النفس مهما مرت السنوات.
  • - دور أهالي مكة:  أظهرت المشاركة في أعمال التنظيف أهمية مساندة الجهود المبذولة لخدمة المسجد الحرام.

 خاتمة: حكاية من ذاكرة مكة

إن سيل مكة المكرمة عام 1392هـ من الأحداث التي لن أنساها ما حييت. فقد عشت تلك التجربة بنفسي، وشاهدت آثار الأمطار والسيول، ثم شاركت في تنظيف بيت الله الحرام بعد انحسار المياه.

ولم تبقَ هذه الحادثة في ذاكرتي بسبب قوة السيل وحدها، بل أيضًا بسبب ما عشته خلالها من مشاعر الخوف والقلق، ثم الارتياح بعد انتهاء المحنة، والفخر بالمشاركة في أعمال التنظيف.

كانت تلك الأيام جزءًا من طفولتي ومرحلة مهمة من حياتي، وستظل واحدة من القصص التي أرويها عن مكة المكرمة وأيامها التي عشتها.

رحم الله تلك الأيام، وحفظ الله مكة المكرمة وبيته الحرام، وأدام عليهما الأمن والأمان.

شارك المقال:
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.

التعليقات