ذكرياتي عن السيل العظيم في المسجد الحرام
ذكرى لا تزال حاضرة في ذاكرتي
كنت أعيش في مكة المكرمة، وكنت في الصف السادس الابتدائي، وكان عمري آنذاك نحو خمسة عشر عامًا.
ولا تزال تلك الأيام عالقة في ذاكرتي حتى اليوم، فقد شهدت مكة المكرمة أمطارًا غزيرة وسيولًا عظيمة اجتاحت أجزاء واسعة من المدينة، ووصلت مياهها إلى المسجد الحرام.
كانت البداية في مساء يوم الثلاثاء 14 رمضان، عندما هطلت أمطار غزيرة استمرت قرابة يومين، صاحبها برق ورعد وأمطار متواصلة، حتى تحولت المياه إلى سيل عظيم.
ومكة المكرمة تقع في وادٍ، ولذلك كانت السيول تأتي من الجبال وتتجه نحو المدينة، ومع شدة السيل دخلت المياه إلى كثير من البيوت، كما وصلت إلى المسجد الحرام.
السيل العظيم يدخل المسجد الحرام
كان المشهد مخيفًا بالنسبة لنا، فقد ارتفعت مياه السيل داخل المسجد الحرام، وغطت بئر زمزم بالكامل، ووصل منسوب المياه إلى نحو نصف باب الكعبة.
وكان سكان مكة والمسلمون يشعرون بالخوف والقلق على الكعبة المشرفة، وخشينا أن تؤدي قوة المياه إلى إلحاق الضرر ببيت الله الحرام.
ولكن الله سبحانه وتعالى لطف بنا وبالكعبة المشرفة وببيته الحرام، ومرت تلك المحنة بسلام.
أهالي مكة يشاركون في تنظيف المسجد الحرام
سخرت الدولة كل إمكانياتها من أجل إزالة مياه السيل وتنظيف المسجد الحرام من آثاره ومخلفاته.
ولم يقتصر الأمر على الجهات المسؤولة، بل شارك سكان مكة المكرمة أيضًا في أعمال التنظيف، وكان لي شرف أن أكون واحدًا من الذين شاركوا في تنظيف بيت الله الحرام.
وأذكر أن الطلاب أُعطوا إجازة من الدراسة لمن أراد المشاركة في تنظيف المسجد الحرام، فذهبت مع من ذهبوا للمشاركة في هذا العمل.
كنت في الخامسة عشرة من عمري، ومع ذلك كنت أشعر بعظمة المسؤولية التي أمامي، وكنا نعمل بجد واجتهاد من أجل تنظيف بيت الله الحرام وإزالة آثار السيل.
أسبوعان من العمل
استمرت أعمال التنظيف نحو أسبوعين، بذل خلالها الجميع جهودًا كبيرة لإزالة ما خلفه السيل العظيم من مياه ومخلفات.
كان العمل شاقًا، لكنه كان يحمل في داخله شعورًا عظيمًا بالفخر؛ لأننا كنا نشارك، ولو بجهد بسيط، في تنظيف المسجد الحرام بعد أن اجتاحه ذلك السيل الكبير.
وبحمد الله، أُزيلت مخلفات السيل، وعاد المسجد الحرام إلى حاله، وانتهت تلك الأيام العصيبة.
ذكرى لا أنساها ما حييت
مرت السنوات، وكبرت، وتغيرت أشياء كثيرة في الحياة، لكن تلك الأيام بقيت محفورة في ذاكرتي.
لا أنسى منظر الأمطار الغزيرة، وصوت الرعد والبرق، وقوة السيل الذي اجتاح مكة ووصل إلى المسجد الحرام، ولا أنسى مشهد المياه وهي تغطي بئر زمزم وترتفع إلى نحو نصف باب الكعبة.
والأهم من ذلك أنني لا أنسى أنني كنت واحدًا من أبناء مكة الذين شاركوا في تنظيف بيت الله الحرام بعد ذلك السيل العظيم.
لقد كانت تجربة عشتها وأنا في الخامسة عشرة من عمري، لكنها بقيت في ذاكرتي مخلدة، وستظل قصة من قصص حياتي التي لن أنساها ما حييت.
رحم الله تلك الأيام، وحفظ الله مكة المكرمة وبيته الحرام، وأدام عليهما الأمن والأمان.
التعليقات